محمد حسين الذهبي
153
التفسير والمفسرون
ثم وجد من الصحابة من تكلم في تفسير القرآن بما ثبت لديه عن الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو بمحض رأيه واجتهاده ، وكان ذلك على قلة يرجع السبب فيها إلى الروعة الدينية التي كانت لهذا العهد ، والمستوى العقلي الرفيع لأهله ، وتحدد حاجات حياتهم العملية ، ثم شعورهم مع هذا بأن التفسير شهادة على اللّه بأنه عنى باللفظ كذا . ثم وجد من التابعين من تصدى للتفسير ، فروى ما تجمع لديه من ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن الصحابة ، وزاد على ذلك من القول بالرأي والاجتهاد ، بمقدار ما زاد من الغموض الذي كان يتزايد كلما بعد الناس عن عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة . ثم جاءت الطبقة التي تلا التابعين وروت عنهم ما قالوا ، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من غموض . . . وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة ، وتروى الطبقة التالية ما كان عند الطبقات التي سبقتها ، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق . ثم ابتدأ دور التدوين - وهو ما يعنينا في هذا البحث - فكان أول ما دون من التفسير ، هو التفسير المأثور ، على تدرج في التدوين كذلك ، فكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا . وقد رأينا أصحاب مبادئ العلوم حين ينسبون - على عادتهم - وضع كل علم لشخص بعينه ، يعدون واضع التفسير - بمعنى جامعه لا مدونة - الإمام مالك بن أنس الأصبحى ، إمام دار الهجرة « 1 » . وكان التفسير إلى هذا الوقت لم يتخذ له شكلا منظما ، ولم يفرد بالتدوين ، بل كان يكتب على أنه باب من أبواب الحديث المختلفة ، يجمعون فيه ما روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين .
--> ( 1 ) المبادى النصرية 26 .